السيد محمد تقي المدرسي

238

من هدى القرآن

كذبه ، ولعلَّ موسى عليه السلام كان يعرف بأن هارون عليه السلام شديد الغضب في الله ، لذلك وصاه بإصلاحهم دون القيام ضدهم ، ونستوحي من هذا السؤال وجوابه أن التغيير ضرورة في المجتمعات المنحرفة ، ولكن على الناهضين أن ينتظروا الأوقات المناسبة لإعلان نهضتهم ، ذلك لأنه عندما تشيع فكرة باطلة في مجتمع ما ، فإنَّ الجماهير تلتف حولها فلكل جديد لذة ، مما يسقط خيار المقاومة لو تعجلوا في محاربتها ، فإذا انتظروا قليلًا حتى يذهب بريقها وتظهر عيوبها ، فإنَّ مقاومتها آنئذ ستكون ناجحة ، ولذلك جاء في الحديث : [ لَا تُعَادُوا الدُّوَلُ المُقْبِلَةُ وَتِشْرِبُوا قُلُوبُكُم بُغْضِهَا فَتَدَبَّرُوا بِإِقْبَالِهَا ] « 1 » ، لأنها فتية وتمتلك الجماهير وهي مستعدة لحماية مكتسباتها ، أما إذا ظهرت سلبياتها فإنَّ الناس سيتحركون ضدها ويساعدون على إسقاطها ، إضافة إلى تنامي عوامل الانهيار فيها بسبب انحراف مسيرتها . [ 94 ] عندما عتب موسى على هارون عليهما السلام ، وأخذ بلحيته وبرأسه يجرهما إليه ، طلب هارون من أخيه ألّا يغضب معللًا بأن قومه لم يستجيبوا له ، ولو أنه أخذهم بالقوة لتفرقوا اجتماعياً ولنفروا من الدين نفسياً ، وأن الحركة المضادة قد تكرَّس فيهم الواقع السلبي ، فانتظر حتى يعود موسى عليه السلام إليهم . ويبدو أن التفاوت بين هارون وموسى عليهما السلام بادىء الأمر كان في تقدير الموقف وليس في الحكم الشرعي ، فبينما كان هارون يرى أن الموقف يستدعي التريث ، لكيلا تنهار وحدة الأمة ، ولذلك طبَّق موقف وصية موسى عليه السلام حيث قال له : وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [ الأعراف : 142 ] ، تساءل موسى عليه السلام : كيف سكت هارون عن انحراف كبير ، كتغيير القيادة ، والشرك بالله ، وعبادة العجل ، وأن على هارون أن يتبع نهج موسى عليه السلام في مقاومة الانحراف ، وأراد أن يتأكد بأن الضعف البشري لم يدفع بهارون إلى التهاون في مسألة التوحيد ، فلما عرف موسى عليه السلام أن مصلحة الرسالة وليس الخوف من الطغاة هو الذي أسكت هارون عن حقه سكن غضبه . قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي حينما قال له : وَأَصْلِحْ [ الأعراف : 142 ] . وهكذا كانت حكمة غضب موسى عليه السلام الظاهري توضيح الموقف للناس ولذلك سكت . [ 95 ] بعد أن أنهى موسى عليه السلام الحديث مع أخيه التفت إلى السامري . قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ لماذا فعلت الذي فعلت ؟

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : ج 2 ص 338 .